جوانب نفسية لمرض السرطان

روان ريدة
ماجستير العلوم الحياتية

استحوذ مرض “السرطان” على اهتمام العلماء ونال نصيب الأسد من حصيلة الدراسات العلمية وذلك لما لخلاياه من طبيعة عدوانية وقدرة لا محدودة على الانقسام خارج نطاق السيطرة الى جانب قدرتها على الانتشار عبر مجرى الدم او الجهاز الليمفاوي وتشكيل اورام جديدة بعيداً عن مكان الورم الأصلي.

إن ما يعانيه مريض السرطان خلال رحلته مع المرض بما يعتريها من صعوبات ومشاعر مختلطة يختلف تماما عن المصابين بالأمراض الأخرى، فالصورة النمطية الشائعة حول مرض السرطان ارتباطه بالموت وذلك لصعوبة تحديد اسبابه الى جانب صعوبة علاجه اذا تم اكتشافه في مرحلة متقدمه

وفيما يلي زوبعة المشاعر والافكار التي يمكن أن يمر بها مريض السرطان سواء بعد التشخيص مباشرة أو خلال فترة العلاج او بعدها:

مشاعر الخوف والقلق

 هناك الخوف من المجهول، فتجد مريض السرطان يطرح على مقدمي الرعاية العديد من الأسئلة مثل: ما هو نوع السرطان؟ ما هي المرحلة التي هو عليها؟ كيف يمكنني التعامل معه؟ ما نوع العلاج المقترح؟ العلاج الكيميائي، الاشعاعي ام الجراحة؟ كم من الوقت يمكنني أن أعيش؟ ماذا فعلت لاستحق ذلك؟ لماذا يحدث هذا لي؟

وهناك الخوف من العزلة، فكثير من المرضى الذين يعانون من السرطان يشعرون بأنهم منبوذون اجتماعياً. وهناك ايضا الخوف من الفشل وتتجلى هذه الصورة عند احراز المريض لتقدم ضئيل او عدم احراز أي تقدم على الاطلاق خلال فترة العلاج. الى جانب المخاوف بشأن المظهر، فالتغيرات الجسدية خلال فترة العلاج قد تجلب المخاوف بشأن الطريقة التي ينظر بها المريض الى نفسه او نظرة الاخرين له. ويُعد الخوف من الموت من أكبر المخاوف التي تتعلق بالسرطان.

الحزن والاكتئاب واليأس

تُعد هذه المشاعر من أكثر الارتباكات النفسية التي يواجهها المريض بعد فداحِة صدمة خبر تشخيصه بالسرطان، وقد تستمر الى مراحل ما بعد العلاج، ويشعر المريض خلالها بالعجز وقلة الحيلة.

الشعور بالذنب

فقد يظن البعض أنهم فعلوا شيئا تسبب لهم بالسرطان، وقد يشعر البعض الآخر بالذنب لأنهم نجوا والبعض الآخر لم ينجُ، وهناك من يشعر أنه اضاف عبئاً ثقيلاً على كاهل عائلته وأصدقائه وأحبابه.

وهناك مشاعر عدم اليقين من الحالة المستقبلية لصحة المريض اضافة الى الخدر العاطفي والضيق الروحي، حيث يشعر المريض بالخدر وانعدام المشاعر وكذلك عدم قدرته على تحمل أي شيء.

تشير الأدلة من بعض الدراسات التجريبية إلى أن الإجهاد النفسي يمكن أن يؤثر على قدرة الورم على النمو والانتشار، الا أن ردود فعل المرضى ومدى تقبلهم للمرض تتفاوت بدرجة كبيرة، فمنهم من يختار الكفاح ضد المرض والبعض الآخر يكتفي بالاستسلام.

غالباً ما تلعب التجارب السابقة دوراً هاماً في تحديد مدى تكيُّف وتأقلم مريض السرطان مع مرضه، فالصدمات الجسدية أو العاطفية السابقة قد تؤثر على كيفية تعامل الشخص مع الضغوطات الأخرى للحياة. كما وتساهم القدرة على التحمل الى جانب توفر مهارات واستراتيجيات إدارة الاجهاد في تباين قدرات المرضى على التكيف.

قد يكون من المدهش معرفة أن معظم الدراسات تشير إلى حقيقة أن معظم مرضى السرطان لديهم المرونة الكافية للتعامل مع المرض من الناحية النفسية بصورة جيدة ,ولكن هذه المرونة لا تعني بالضرورة التفكير بإيجابية طوال الوقت, فعلى المريض أن يتقبل بأن هناك بعض الأحداث التي لا يمكنه السيطرة عليها, وهناك  بعض الأوقات التي تتخلل فترة العلاج و التي من شأنها أن تترافق مع تغيرات في المزاج أو الأداء.

فيما يلي بعض النصائح الموجهة لمريض السرطان والتي من الممكن أن تساعد في التعامل مع المرض:

  • ابحث عن طرق للتعبير عن مكنونات ذاتك، إن انغلاقك على نفسك من شأنه أن يؤثر سلباً على علاجك.

  • لا تخف من طلب المساعدة، قد تشعر في كثير من الأحيان وكأنك سوف تكون عبئاً على الأشخاص عند طلبك للمساعدة، ولكن الواقع عكس ذلك تماماً. فكثير من الناس يريدون المساعدة، ولكن ليس لديهم أدنى فكرة عن الكيفية ولذلك تقع على عاتقك مهمة تحديد نوع وكيفية المساعدة التي تحتاجها.

  • لا تنسى أن تضحك، فللفكاهة والضحك تأثير هام ليس على الناحية العاطفية فحسب وانما على الجانب الفسيولوجي ايضاً. أنت بحاجة إلى العثور على الأشياء التي تجعلك تضحك والبحث عن سبل لجعل الآخرين يضحكون للمساعدة في تقليل الشعور بالعزلة.

  • حاول ترك المخاوف بشأن المستقبل خلفك، لا تدع القلق من المستقبل يسرق سعادة حاضرك فالتمسك بالمشاعر السلبية يحد من قدرتك على الاستمتاع بحياتك.

  • لا تركز على المرض، انت بحاجةٍ الى ايجاد سُبل لصرف نفسك عن الجلوس والتركيز على المرض والذي من الممكن أن يؤدي إلى الشعور بالاكتئاب والقلق والتوتر.

  • اعثر على الطبيب الذي يتيح لك طرح جميع أسئلتك، وتأكد من وجود شعور الاحترام والثقة المتبادَليْن، فالمفتاح لعلاجٍ فعّال هو التواصل الجيد بينك وبين طبيبك.

  • ابحث عن طرق تساعدك على الاسترخاء كالتأمل وممارسة رياضة اليوغا وتمارين الاسترخاء العميق.

  • عبّر عن مشاعرك وشاركها مع مجموعات الدعم، فهذه الطريقة تُعد من احدى أفضل الطرق لحسم مخاوفك كما وتزيد من اكتسابك للخبرات، حيث تشير الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين ينتمون إلى مجموعة دعم يكونون أكثر قدرة على التعامل مع اجهاد المرض.

  • تذكر دائماً أن السرطان ليس هويتك، بل هو مجرد مرض تحاول التغلب عليه.

  • كُن على يقينٍ تام أن السرطان يعطي لك الفرصة لتحمُّل مسؤولية سعادتك. هذا هو الوقت المثالي لتبسيط الحياة والتركيز على الأمور التي تهم حقاً. يمكنك أن تبدأ في إعادة صياغة مسار حياتك والتخلص من فوضى العواطف، والعمل على أن تكون بمثابة قدوة يُحتذى بها.

  • اسأل مقدم الرعاية الصحية الخاص بك لمساعدتك على وضع خطة الرعاية الصحية للمتابعة، فهذا النوع من الخطط قد يقلل من مشاعر عدم اليقين ويساعدك على معرفة ما يمكن توقعه.

دعم العائلة والأصدقاء لمريض السرطان:

  • إن كنت قريباً أو صديقاً لشخص يعاني من السرطان، فإن من أهم ما يمكنك القيام به هو أن تتصرف على سجيتك! فآخر ما قد يود مريض السرطان رؤيته، هو أن تتم معاملته بطريقة مختلفة أو أن يتم الابتعاد عنه تماماً.

  • من الطبيعي أن تشعر بالخوف، والقلق، أو حتى الغضب عندما تعرف أن شخصاً عزيزاً يعاني من مرض السرطان، ولكن من المهم ألا تدع هذه المشاعر تحول دون تواجدك الى جانبهم خلال هذه المحنة.

  • لا تقدم المشورة الطبية أو آرائك على أشياء مثل النظام الغذائي والفيتامينات والعلاجات العشبية وغيرها.

  • احرص على عدم تذكيرهم ببعض السلوكيات السابقة والتي قد تكون ذات صلة بالمرض، كالتدخين مثلاً. فبعض الناس يشعرون بالذنب على تلك الأشياء مما قد يزيد وضعهم سوءاً.

  • اعطهم الانتباه والمساحة الكافية للتعبير عن ذاتهم واظهر قبولك وتفهمك لاحتياجاتهم.

  • ساعدهم في الخروج من المنزل وممارسة الهوايات التي من شأنها صرف تفكيرهم عن المستقبل والمخاوف المرتبطة به.

  • تجنب حثهم على مكافحة المرض عند شعورهم بصعوبة القيام بذلك.

  • على العائلة والاصدقاء شد أزر المريض من خلال التوجيه والتذكير بأن في المرض تكفير للذنوب. قال صلي الله عليه وسلم (لايزال البلاء بالمؤمن في أهله وماله وولده حتى يلقي الله وما عليه خطيئة). رواه الترمذي

لعل أكثر ما يجعل الدعم النفسي والعاطفي أكثر وقعاً على نفس المريض، هو ايمانه الخالص بقضاء الله وقدره. فعلى المسلم الذي يُبتلى بمرض ما أن يتوكل على الله فهو حسبه، وأن يكُن على اقتناع أن الله سيجازيه خير الجزاء في الدنيا والآخرة، كما ونعلم يقيناً أن الله إذا أحب عبداً ابتلاه، فهذا الابتلاء من الله ليرفع قدر عباده وعلى المريض الصبر واحتساب الأجر، يقول الله تبارك وتعالى {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.

وعلى المسلم ألا يغفل عن حقيقة أن كل ما يمر به في حياته هو خيرٌ له، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر؛ فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر؛ فكان خيراً له.” رواه مسلم

 كما أن الابتهال الى الله والتقرب منه وحسن الظن به , يساعد العبد المؤمن على تجاوز شدائده, يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: ” أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي ؛ فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعا ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعا ، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً  “

عافانا الله وإياكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

TOP